الشيخ عبد الغني النابلسي
96
كتاب الوجود
أيضا مستترا بما تجلى به من الصور عمن شاء من عباده على مقتضى اختياره وإرادته سبحانه ، فكل صورة علم تعالى بها أو حكم عليه فيها بما حكم عليه فهي صورة تجليه سبحانه عند من شاء التجلي عليه بذلك ، ولكل عالمون به وحاكمون عليه بما هم حاكمون به عليه من حيث التجلي في الصور والشرع وأراد على هذا ، والعقل قابل له من غير لحوق نقصان في حقه تعالى ، ومن استتر سبحانه عنه في صورة من الصور فهو متجل عليه في صورة غيرها على حسب ما أراد سبحانه . وذكر الشيخ عبد الوهاب الشعراني - رحمه اللّه تعالى - في كتابه الميزان الذرية المبين لعقائد الفرقة العلية ، قال : ومما يؤيد صحة التجلي في رتبة التقييد تقريره صلى اللّه عليه وسلم للجارية السوداء « 1 » بأن اللّه تعالى في السماء حين قال : أين اللّه ؟ ثم شهد لها بالإيمان حيث قالت : إن اللّه في السماء ، وقال : « مؤمنة ورب الكعبة » « 2 » .
--> - وموجده لم يزل معه موجودا ، ولا يتصور أو لا يعقل أن يتقدم وجود العالم مدة يكون اللّه فيها غير موجود ولا خالق ، بل عاطلا معطلا من الخلق ، وهو القادر الذي لم يعجز ، والجواد الذي لم يبخل ؛ فكيف يجوز أن يقال : إنه بقي مدة غير متناهية لم يخلق فيها ، ثم بدأ الخلق ؟ ! [ أبو البركات البغدادي في المعتبر ( 3 / 44 - 45 ) ] . ( 1 ) وذلك من حديث طويل رواه مسلم في صحيحة [ 33 - ( 537 ) ] ، كتاب المساجد وموضع الصلاة ، 7 - باب تحريم الكلام في الصلاة ، ونسخ ما كان من إباحة ، عن معاوية بن الحكم السلمي ، وفيه : وكانت لي جارية ترعى غنما لي قبل أحد والجوانية ، فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها ، وأنا رجل من بني آدم ، آسف كما يأسفون ، لكني صككتها صكة ( أي ضربتها بيدي مبسوطة ) ، فأتيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فعظم ذلك علي ، قلت : يا رسول اللّه ، أفلا أعتقها ؟ قال : « ائتني بها » ، فأتيته بها ، فقال لها : « أين اللّه ؟ » قالت : في السماء ، قال : « من أنا ؟ ) قالت : أنت رسول اللّه . قال : « اعتقها فإنها مؤمنة » . ( 2 ) هذا الحديث من أحاديث الصفات ، وفيها مذهبان : أحدهما : الإيمان به من غير خوض في معناه ، مع اعتقاد أن اللّه تعالى ليس كمثله شيء ، وتنزيهه عن سمات المخلوقات . والثاني : تأويله بما يليق به ، فمن قال بهذا قال : كان المراد امتحانها هل هي موحدة تقر بأن الخالق المدبر الفعال هو اللّه وحده ، وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء كما إذا -